أبو الشمقمق بين المنصور وشعراء عصره وأعرابيه 2/ كريم مرزة الأسدي

أبو الشمقمق بتمامه بين وجودية فقره وخلود ذكره  
الحلقة الثانية 

4 - شعره ...وديوانه :
شعره يمتاز بالجزالة والقوة ، والسلاسة والضعف ، والسليم والملحون ، والقصائد المطولة ، والأبيات المنثورة ، والمقطوعات والنتف،حافظ على عمود الشعر العربي ، وأغراضه أغراضه من مديح وهجاء وحكم ، ولكن برع في الوصف ، وبلغ القمة  حتى عد مجددا في محادثته لسنوره ، ووصفه لبيته ، وقد صدرنا الحديث عنه بما لذ وطاب من شعره بعذبه والعذاب !!
يذكر لنا الدكتور واضح محمد الصمد في  معرض جمعه وتحقيقه لديوان أبي الشمقمق : له ديوان مرتب على الحروف ، فيه /57/ مقطوعة ، تضم /216 / بيتاً ، جمعها المستشرق النمساوي ( جوستاف فون جرو نباوم )، ، ثم قام الدكتور محمد يوسف نجم بترجمة الدراسات ، وأضاف من خلال تحقيقه ست قطع تتألف من /35/ بيتاً ، وزاد الدكتور واضح نفسه أربع قطع ،وثلاثة أبيات ، وحذف بيتاً واحداً ، ورتب القوافي بتقديم  المكسور ، فالمفتوح ، فالمضموم ، فالساكن . (5)
ينقل الخطيب في ( تاريخ بغداده) عن أبي العباس المبرد قوله : " كان ربما لحن ويهزل كثيرا ويجد فيكثر صوابه ." (6)
5 - شهرته...جرأته... بداهته :     
 لم يحفل به في مجالس الخاصة من خلفاء ووزراء وكتاب وقادة وززعماء وأعيان ، لبساطته وشعبيته وهزله ، وعدم مبالاته ، أو قل لعدم قدرته على الرياء والتملق ، والسلوك الدبلوماسي بلغة عصرنا ، فأجبرته الحياة على أن يرى الناس جحيماً ، فنبذهم  وعاش الوجود كالموجود فراشه الأرض ، سقفه السماء أو قطع السحاب ، وأصدقاؤه السنور والفأر والعناكب والحشرات ، فنقل لنا حياة الفقراء والكادحين والمستضعفين من الشعب في عصر ينعت بالذهبي ، لرقي حضارته ، واستقراطية نبلائه ، وجمال جواريه الحسان ، والتمتع بالمخانيث من الغلمان ، ولم يكن الرجل مغموراً - كما يقال - ، ولكنه عاجز عن مجاراة ومنادمة الكبار ، ويسخر من المتهافتين عليهم بالدجل والرياء : !! أنقل إليك هذه المشاهد الشمقمقية :
6 - أبو الشمقمق بين يدي المنصور وخالد بن يزيد الشيباني 
أ - ما بين أبي الشمقمق والمنصور :
 يروي لنا ابن المعتز في ( طبقات شعرائه) ، وهو ينفرد في جعل وفاة أبو الشمقمق 180 هـ ، وهو غير صحيح ، وستتفق معي ، ويذهل ابن المعتز نفسه ، مما سنلزمه عليه ، المهم سننقل هذه الروايتين من ( طبقات شعراء ) معتزنا  ، إحداهما في شرخ شباب الشمقمق  ، والأخرى في نهاية حياته :
  عن " إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: ماتت ابنة عم للمنصور، فحضر المنصور دفنها، فلما صار على شفير القبر إذا هو بأبي الشمقمق. فقال له: ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور في ذلك الموضع، على أنه قليل الهزل ، وقد روى بعض الناس أن هذا الكلام لأبي دلامة مع المنصور . " (7 )  
بادئ ذي بدء ، ابن المعتز هو ابن خليفة عباسي ، وهو نفسه أصبح خليفة لليلة وخلع وقتل (297 هـ) ، يسند روايته عن إسحاق الموصلي ، وهو النديم الأول لجده المعتصم ، ومن عائلة لصيقة جداً ببيت الخلافة العباسية ، إذ يعتبر بطل المشهد أبا الشمقمق  ، ويسرد ابن المعتز  عابراً دون أي سند ، وإنما لبعض الناس أنّ بطلها أبو دلامة  فلا أتردد من قبول صحة نسبتها لأبي الشمقمق ، وما أبو دلامة إلا بطلاً مزعوماً ، اكتسب البطولة لشهرته ، وعلاقته الحميمية مع المنصور ، فعلى أغلب الظن نسبة الرواية لأبي دلامة غير صحيحة ، وأكرر ابن المعتز ابن بيت الخلافة ، وقريب لعصر الرواية ، وسنده إسحاق الموصلي ، وما أدراك من هوهو هذا الإسحاق !!  .
هذا يعني لنا أن أبا الشمقمق كان جريئاً جداً ، حاد الذكاء ،  وذا سرعة بديهة لا تجارى ، وشخصية معروفة ، وهو في شرخ شبابه .
ب - ما بينه وبين خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني  :  
وهاك الرواية الثانية :         
  " ولما ولي المأمون خالد بن يزيد بن مزيد الموصل خرج معه أبو الشمقمق، فلما كان وقت دخوله البلد اندق اللواء، فتطير خالد لذلك، واغتم غما شديدا، فقال أبو الشمقمق فيه :
ما كان مندق اللواء لريبة  ***  تخشى ولا سبب يكون مزيلا
لكن رأى صغر الولاية فانثني *** متقصدا لما استقل الموصلا
وكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى المأمون، فولى خالدا ديار ربيعة كلها، وكتب إليه: هذا الاستقلال لوائك ولاية الموصل. وأحسن إلى أبي الشمقمق، ووصله بعشرة آلاف درهم. وتوفي أبو الشمقمق في حدود الثمانين ومائة " ، (8 )  وابن الأبار في ( حلته السيراء)، يؤكد الرواية ، وينقلها  بأبياتها ، ويزيد " فسر خالد بما صدر منه في الحين وسرى عنه وأحسن إليه " ( 9)     
  وهذا يعني أيضاً أن الرجل استمر على شهرته بالرغم من فقره المقذع ، وإن كان بين الحين والحين البعيد يقنص جائزة أو عطية أو مكرمة من ذوي المقدرة والجاهة والسلطان ، ولكن وقع  ابن المعتز في تناقض غريب عجيب  في ذكر خبر وفاته ( 180 هـ)، وذكره لرواية  تولية المأمون لخالد بن يزيد ولاية الموصل ، ومرافقة أبي الشمقمق له ، ولا ريب أن هذه الولاية لم تتم قبل 185 هـ وهي سنة وفاة يزيد بن مزيد والد الخالد ، ثم أن المأمون ولادة  170 هـ ،لا يعقل أن يوليه أبوه الرشيد الرشيد منصباً رفيعاً حساساً خطيراً ، ولم يتجاوز العشر سنوات ، وابن المعتز ينفرد في هذا التاريخ لوفاة الشمقمق،إذن تاريخنا الذي دوّناه لوفاته هو الصحيح .
7 - ما بينه وبين شعراء عصره : 
كان للرجل علاقات مشوبة بالارتزاق والحقد عليهم وعلى عصره الذي أهمله وسحقه ، مما جعله يهبط للعامة ، فيتأثر بلحنهم وسوقيتهم وابتذالهم ، ينقل الخطيب البغدادي في ( تاريخه ) خبراً 
  مسنداً  عن ابن عائشة، إذ يقول: يعجبني من شعر أبي الشمقمق في وصف بغداد:
ليس فيها مروءة لشريف  *** غير هذا القناع بالطيلسان
وبقينا في عصبة من قريش *** يشتهون المديح بالمجان ( 10)
كما ترى أن البيتين رائعين ، وكان الرجل صادقاً مع نفسه ، ومع مجتمعه ، ومع شعراء عصره ، فإليك أخباره مع بعضهم :  
 أ - ما بينه وبين أبي العتاهية :  
وفي رواية  ينقلها  الأصفهاني في ( أغانيه)  تبين موقف أبي الشمقمق  من الشعراء الكبار ممن لديهم حظوة كبيرة في مجالس  الخلفاء  والوزراء وعلية القوم وأعيانهم مثل أبي العتاهية الذي كان يساير المغنثين ، مما يثير حقد وضغائن شمقمقنا  الفقير المعدم الوجودي ، وبالتالي  كان يتهيبه أبو العتاهية  ، ويخشى لقاءه في مجلس واحد ، ففي مرّة اعترضه الشمقمق  قائلاً :  أمثلك من يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك  ،فقال له أبو العتاهية : أريد أن أتعلم كيادهم وأتحفظ كلامهم .(11) ، إليك رواية الأصفهاني :      
 " اجتمع أبو نواس وأبو الشمقمق في بيت ابن أذين وكان بين أبي العتاهية وبين أبي الشمقمق شر فخبأوه من أبي العتاهية في بيت. 
ودخل أبو العتاهية فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث فظن أنه جارية فقال لابن أذين متى استطرفت هذه الجارية فقال قريبا يا أبا إسحاق فقال قل فيها ما حضر فمد أبو العتاهية يده إليه وقال: 
 مددتُ كَفّي نحوَكم سائلاً ***  ماذا تَرُدُّون على السائِلِ  
فلم يلبث أبو الشمقمق حتى ناداه من البيت : 
 نَرُدّ في كفِّك ذا فَيْشَةٍ *** يَشْفِي جوىً في اسْتِك من داخلِ
فقال أبو العتاهية شمقمق والله وقام مغضبا (12)
لا تعليق لي ، تركت أمره لأبي العتاهية !!!
ب - ما بينه وبين بشار بن برد :
ويروي صاحب الأغاني عن دعبل بن علي الخزاعي  قال :  
كان بشار يعطي أبا الشمقمق في كل سنة مائتي درهم فأتاه أبو الشمقمق في بعض تلك السنين فقال له هلم الجزية يا أبا معاذ فقال ويحك أجزية هي قال هو ما تسمع فقال له بشار يمازحه أنت أفصح مني قال لا قال فأعلم مني بمثالب الناس قال لا قال فأشعر مني قال لا قال فلم أعطيك قال لئلا أهجوك فقال له إن هجوتني هجوتك فقال له أبو الشمقمق هكذا هو قال نعم فقل ما بدا لك فقال أبو الشمقمق : 
 إني إذا ما شاعِرٌ هجَانِيَهْ *** وَلَجّ في القول له لِسَانِيَهْ 
 أدخلتُه في استِ أمهِ عَلاَنِيَهْ  *** بشّــــــارُ يا بشّــــارُ...
وأراد أن يقول يابن الزانيه فوثب بشار فأمسك فاه وقال أراد والله أن يشتمني ثم دفع إليه مائتي درهم ثم قال له لا يسمعن هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق 
   وفي خبر يسنده الأصفهاني للأصمعي قال :  
أمر عقبة بن سلم الهنائي لبشار بعشرة آلاف درهم فأخبر أبو الشمقمق بذلك فوافى بشار فقال له يا أبا معاذ إني مررت بصبيان فسمعتهم ينشدون 
 هَلِّلِينَهْ هَلِّلِينَهْ  **********  عْنَ قِثَّاةٍ لتِينَهْ  
 إنّ بشّارَ بنَ بردٍ *** تَيسٌ اعْمَى في سَفِينَهْ 
فأخرج إليه بشار مائتي درهم فقال خذ هذه ولا تكن راوية الصبيان يا أبا الشمقمق (11)
 ج - ما بينه وبين سلم الخاسر :
إن كان أبو العتاهية يهرب منه ويخشاه ، وبشار الأعمى يسترضيه بمائتي درهم لكي يتخلص من شرّه ، فتسعيرة سلم الخاسر خمسة دنانير في كلً هبّة من هبوبه ، يروي صاحب الأغاني  بسند عن زكريا بن مهران قال : 
طالب أبو الشمقمق سلما الخاسر بأن يهب له شيئا ، وقد خرجت لسلم جائزة فلم يفعل ،  فقال أبو الشمقمق يهجوه : 
 يا أم سلم هداك الله زورينا  *** .............. 
 ما إن ذكرتك إلا هاج لي شبق  *** ومثل ذكراك أم السلم يشجينا
قال فجاءه سلم فأعطاه خمسة دنانير وقال أحب أن تعفيني من استتزارتك أمي وتأخذ هذه الدنانير فتنفقها(14)
ويذكر الأصفهاني في مكان آخر خبراً ثانياً عن  هجاء أبي الشمقمق لسلمه الخاسربسند عن الجماز قائلاً : إن أبا الشمقمق جاء إلى سلم الخاسر يستميحه فمنعه  ، فقال له اسمع إذا ما قلته وأنشده : 
 حدثوني أن سلما  *** يشتكي جارة أيره 
 فهو لا يحسد شيئا  *** ....................
 وإذا سرك يوما  **** يا خليلي نيل خيره
 قم فمر راهبك الأصلع *** يقرع باب ديره  
فضحك سلم وأعطاه خمسة دنانير ،  وقال له أحب جعلت فداك أن تصرف راهبك الأصلع عن باب ديرنا (15)  
د  - ما بينه وبين الأعرابي الهجاء المتهتك :
من عجائب وغرائب أبي شمقمقنا أن يشتري الهجاء عليه بثمن ، هو أحوج ما يكون إليه ، يروي ابن المعتز خبراً مسنوداً عن ابن العلاف  قائلاً :  مر أعرابي بأبي الشمقمق الشاعر فقال له: يا أعرابي. قال: ما تشاء؟ قال: أتقول الشعر؟ قال: بعضه، قال: خذ هذا الدرهم واهجني. قال: فأطرق الأعرابي هنيهة ثم قال: ما رأيت أحدا يشتري الهجو بالثمن غيرك قال: وما أخذ. قال الأعرابي:
مررت بـ... بغل مسبطر  ***  فويق الباع كالحبل المطوقْ
فما إن زلت أعركه بكفي  *** إلى أن صار كالسهم المفوقْ
فلما أن طغى وربا وأندى * ضربت به حر أم أبي الشمقمقْ
أزيدك، أم كفاك؟ وذاك أني  *** رأيتك في التجارة لم توفق
فقال أبو الشمقمق: أعوذ بالله من الشقاء، ما كان أغناني عن هذه التجار . (16)
يا أبا الشمقمق  أرى تعويذتك  غير صادقة ، وكنت تتمنى أن يكون الهجاء  أقسى وأمر  ، ليتداول الناس خبرك ، ويشتهر ذكرك ، وتشفي غليلك من مجتمع تراه لا يستأهل إلا هذا الهجاء العار ، يكفينا هذا !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الحلقة الأولى والثانية . 
        (1) العقد الفريد : ابن عبد ربه الأندلسي - 2 / 474 - الموسوعة الشاملة - الوراق .
(2) (تراجم شعراء الموسوعة الشعرية ) : 1 / 190 - الموسوعة الشاملة .
(3)  معجم البلدان :  ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله - 1 / 365 -  الناشر دار الفكر - بيروت.
  (4) العقد الفريد : ابن عبد ربه الأندلسي م . س .
(5) ديوان أبي الشمقمق : جمعه وحققه الدكتور واضح محمد الصمد - دار الكتب العلمية - بيروت - 1995 م - الطبعة الأولى.
(6) تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ج 15 ص 186  - رقم الترجمة 7080 - المكتبة الشاملة .
     (7) طبقات الشعراء : ابن المعتز - 1 / 35 - 36 - الموسوعة الشاملة - الوراق .
(8) م. ن. 
 (9) الحلة السيراء ابن الأبار 1 / 105 - الموسوعة الشاملة - الوراق .
(10) تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي   م. س . .
( 11) الأغاني  : أبو الفرج الأصفهاني :  - ج 4 - ص 3 ...- دار الفكر - بيروت - ط2 - تحقيق سمير جابر .
( 12) م . ن . ج 4 - ص 90 .
(13)   الأغاني :  ج3  ص 190 - م. س .
(14) الأغاني : ج 19 ص291 م . س .
(15) م . ن . 298 
(16) طبقات الشعراء : ابن المعتز م . س . 

CONVERSATION

0 comments: