قراءة في كتاب "المطر" للأديب وهيب نديم وهبه/ شهربان معدي

مطر، مطر، مطر، قطْر السّماء، بوح  شفيف، يتساقط على بيداء الروح فتزهر ياسمينا وريحانا، يعزف على أوتار القلب، لتغازل حرير مفرداته شغاف الفؤاد، ويحوّل أرضيته الجدباء القاحلة، لواحة خضراء...

رائعة الأديب المبدع وهيب وهبة، وقد وصلتني، كهدية، وما أروعها من هدية !
كتاب فاخر، سُكب على الأوراق، بمداد من ذهب وقلب من ذهب، بنظرة شبابية متفائلة، دون ضبابية أو غموض، وبلغة فنية راقية، يُخاطب المجتمع الإنساني قاطبةً، "النساء قبل الرجال"  لأن المرأة ص 35 هي  "بستان، وهي الأرض الخصبة للولادة"، وفي ص 36 يقول الكاتب: "التربية الأُسرية، تفاهم سليم للأمومة الإنسانية، تلك وظيفة اجتماعية، والمسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، في تنشئة أطفالهم وتطورهم، وإن مصلحة الأطفال، هي الاعتبار الأساسي في جميع حالات التربية".

إذن الكاتب يضع الطفل والناشئ في سلم أولويات المجتمعات الحديثة، ورسالته  واضحة لأرض الأنبياء، "ديارنا المقدسة"، يخاطب فيها المجتمع العربي واليهودي، بنصه الأصلي في اللغة العربية في نصفه الأول، والمُترجم باللغة العبرية في نصفه الثاني، بقلم المترجمة البارعة (بروريا هورفيتس)... ويقول ص 30 "أنتم لا تبصرون، فالحقيقة المُطلقة أمامكم! أجمل كواكب الأرض كوكبكم، الأرض، ولا ينقصكم سوى أن تبصروا وتسمعوا الآخر والمختلف عنكم، وعندها يأتي الســـــــــلام".

"سارة"، بطلة القصة، ابنة طبيب معروف، وهي فتاة مثقفة، واعية، تقرأ كل ما تقع عليه عينها، في مكتبة والدها الطبيب الزاخرة بالكتب العلمية والأدبية، الحديثة والنادرة، وهذه إشارة طيبة من الكاتب، عن أهمية وجود مكتبة في البيت، مكتبة شاملة تثري الروح وتغذي الوجدان، وهذا ما عكسته تصرفات "سارة" المسؤولة والتي تغذت من هذه الينابيع الصافية...

هذه الرائعة الأدبية ذكرتني بقصة "سندريلا" و "كسارة البندق" من روائع القصص العالمية، ولكن الفرق هنا، رغم أن "سارة" يتيمة، كسندريلا ولكنها لم تحظ، بعرّابة ولا بيقطينة تتحول لعربة، ولا بأمير ينتظرها في القصر الكبير، ولم تحظ "بكسارة بندق"، كبطلة قصة "كسارة البندق"، والتي تلقتها، من خالها، هدية على شكل كسارة بندق، تحولت فيما بعد لفتى وسيم، تقع في حبه، ويساعدها على محاربة الشر، ليحظى الاثنان بمدينة الحلوى العجيبة...

"سارة"، سيّدة الأجيال القادمة، التي تقول:  ص 38 "أن تأخذ دون أن تعطي، جريمة، كأنك نصف إنسان"، تعدى حلمها، أمير وسيم، يأتيها على حصان أبيض! وبالمُقابل حظيت برجلٍ حديدي عملاق، وهو يطير ويملك قوة خارقه، تجعله يجتاز كل الصعوبات والمشاكل المستعصية، في سبيل إنقاذ كوكبنا الغالي، كوكب الأرض! ويطلب مساعدة "سارة" لأنها في نظره: سيدة الأجيال القادمة التي ستزرع زهرة المحبة وتحولها لملايين الأزهار، وتجعل كل أطفال العالم سُعداء...

"سارة" هي طفلة تغفو في كل فرد منّا، ويأتي الرجل الحديدي، والذي هو ضمير الإنسان المُبصر الحيّ، يوقظها من سباتها ويحملها بين ذراعيه، كفراشة، ويحلق معها بعيدًا، لترى عن كثب المخاطر والكوارث التي ألمت ببني الإنسان، فتبصر الدخان المتصاعد من مصانع الأسلحة والتي دمرت خُمس مساحات العالم من الغابات وتبصر الصواريخ الموجهة للقارات، والأقمار الصناعية للتجسس، وتبصر الإنسان وقد تحول لحيوان من حيوانات الغابة، الكل يأكل الآخر! والكل يتحدث عن السّلام...

"سارة" الفتاة الراقية، تتحدى كل الصعاب بمساعدة الرجل الحديدي الطائر، وتحصل على "علبة المطر" من كوكب "المطر"  وباقة من الضياء والحرارة من "كوكب الشّمس"، وزهرة المحبة من "غابة المحبة"، وتعود لكوكبها الغالي الأرض الذي يدمره الإنسان بأنانيته وجهله وتجاهله لهذه النعمة الإلهية التي خصّ الله عز وجل بها الإنسان وشملت كل الكائنات الحية على وجه البسيطة...

"سارة" رمز الأجيال القادمة، ستعود يومًا ما، بفضل التربية الصالحة، الأبوة الكريمة، والأمومة الطاهرة الواعية، وبفضل المؤسسات العلمية والتربوية والثقافية الهادفة والراقية، التي تهتم بالإنسان لا البنيان!  بالروح لا المادة!  ومعها ملايين الأطفال، "يحملون تاج الشّمس ومنارة المستقبل وأغصان السلام ورايات الفرح"...

كتاب "المطر"، رسالة إنسانية، تشق فضاء الكون باعتراض واضح، على كل الأخطاء التي حدثت وتحدث بالكون، كتب بلغة فنية رائعة، عميقة ممزوجة بالخيال العلمي، تحيط الزمان والمكان بهالة قدسية، تزينها الحكمة والموعظة وخطاب الضمير، لتتحول إلى لغة عالمية، تمطر، قيمًا وحبًا وسلام، تنقذ كوكبنا الغالي من قطعان الظلام والدمار والخراب..

كلمة ختامية للرسامة "سهاد عنتير- طربية" التي حلقت في فضاء الخيال المجنح وسافرت على أجنحة الغمام مع الشاعر الأديب "وهيب نديم وهبة" في رائعته "المطر" وقدمت لنا أجمل اللوحات التي تبهر القلب والبصر.

CONVERSATION

0 comments: