مستشار وبيعة/ جواد بولس

طغت تفاصيل الانفجار الذي أودى بحياة وزير الدفاع السوري، وعدد من كبار القادة والمسؤولين المقرّبين من الرئيس بشار الأسد، على تصريح المستشار القانوني لحكومة إسرائيل وتأكيده أن منطقة "جبل الهيكل" (هو الحرم القدسي الشريف في لغة أهل المكان، إلى حين حريق قادم أو غزوة!) هي منطقة إسرائيلية خاضعة لسيادة وقوانين الدولة، بما فيها قانون الآثار وقوانين التنظيم والبناء.
إلى ذلك، أضاف المستشار ولفت أنظار المسؤولين الإسرائيليين إلى أنه، ونظرًا لما يتميز به الموقع من حساسية، عليهم أن يطبّقوا القوانين بحساسية فائقة ومؤكّدًا إيلاء الاعتبارات العملية اهتمامًا خاصًا .
ويسألني صاحبي النبيه: ما دلالة ذاك التصريح وكيف لي أن أقرأه؟ وما كان السبب في إطلاقه اليوم وفي هذه الظروف؟
إسرائيل احتلت القدس عام ١٩٦٧مع سائر ما احتلته من أراض لدول عربية كان حَمْلها واهمًا وحلمها كان سرابًا، حلَّت علينا النكسة أختًا لنكبة ولضياع وتبخّرت حبّات ندى ذلك الفجر. غاب ربيع العرب واستوطن القيظ فمذ متى تعرف الصحراء غير القيظ والرحيل.
إسرائيل أعلنت ضمّها للقدس بعد أيام من انتهاء رحلة الأيام الستة وطبّقت قوانينها على المدينة وعلى سكّانها فـ"ظفروا" بمكانة مغايرة وبطاقات هوية ميَّزتهم عن سائر إخوانهم الذين زُجّوا وراء حواجز القمع وأقفاص المذلة.
في البدايات أفتى كهنة إسرائيل أن زيارة "جبل الهيكل" محظورة لأسبابٍ مردّها عقيدة اليهود وإيمانهم. وكان في هذه الفتاوى راحة لسياسيي الدولة المحتلة وللجميع. مع الأيام ومع ازدياد التطرف السياسي في إسرائيل وتزاوجه مع التطرف الديني تآكلت تلك الفتاوى وانحسرت لتخلي مكانها لفتاوى كهنة باسم الرب مسحوا ما كان قائمًا وبدَّلوا ذلك بنداءات تهيب بأحباب موسى وربه أن يؤمّوا الهيكل ويحموه من غاصبيه، كفّارًا وأغيارًا لا حق لهم ولا حقوق في مكان معد ليكون هيكل الرب المهيَّأ للقيامة ومجيء المخلص. وهكذا علت مع الأيام أصوات الفتاوى وكأنها صكوك ربّانيّة يسوّغها وعّاظٌ كلامهم، مهما حلا ورق، يبقى ككلام الأفاعي والعرابيد! يصلّون لخراب معبد لحساب هيكل مزعوم.
القدس سيّجت وفصلت عن باقي محافظات فلسطين. وبعدما كانت لدهور قبلةً وحبلَ سرة لوطن أصبحت ذبيحة ذليلة. بهدوء، ولكن بإصرار وتبصّر، أحكمت إسرائيل قبضتها على المدينة. بصبر لبؤة جائعة وبأناة لاعب شطرنج حاذق أسقطت إسرائيل البلدة حجرًا وراء حجر. ما فلت من هجماتها لسنين يخر ويلحق بدولة الاحتلال (قطاع الصحة العامة، قطاع التعليم والمدارس، قطاع المواصلات العامة، قطاع المساعدات الاجتماعية وغيرها). من يوم إلى يوم تتغيّر معالم المدينة، كسيّدة المرافئ في كل ليلة لها قمر. مباضع أطباء لا يرحمون قطّعت فيها أوصالًا ورتقت ما ثقبه النسيان والزمان. من يذكر منكم كيف كانت القدس في مناطق سُميت ذات يوم مناطق التماس؟ تعالوا، اليوم، لتروا أن لا تماس باق ولا التباس، فالأرض للمنتصرين ولهم كذلك السبايا والغنائم، هكذا من أيام يوشع إلى أيام جنكيزخان إلى أيام خليفةَ وصاحبه سام. دمّروا الدمار. فلتفرح الزنابق بلقاح الزنابق ولتبتهج عذارى أورشليم وليحمهن الرب الذي لأجله نحن البشر نبني المعابد ونصلي.
هل تذكرون تلك المساحات الشاسعة من الأراضي التي بقيت على دمارها منذ عام ١٩٤٨ وما اصطلح القانون الدولي على تسميته "نو مانز لاند"، من التلة الفرنسية شمالًا حتى محطة القطار جنوبًا، مسح عن بكرة التراب والذاكرة ليصبح من كبد إسرائيل ومن أحشائها، مفخرة لحضارة دولة قوية وسيّدة للحرب. فإسرائيل قررت أنها "المان"/الرجل وصاحب الحق الواحد الوحيد وأمام جميع العرب والمسلمين والعالم بنت وما زالت تبني المساكن على المساكن والفنادق كنجوم الظهر في حلق التاريخ.
ما كان خرابات "مميلا" تحوّل إلى سوقها وفي مقاهيه يجلس العربان والغربان ويهيمون في ما كان بابًا للخليل واليوم أصبح بابًا للهزيمة وبكاءات النخيل.
هل تعرَّفتم ذات يوم على ما كان بناية الهيئة الإسلامية العليا واليوم اقتناها بعض من الصهاينة ليحيلوها فندقًا من بنات الخيال. هدموا البناية ومحوا الأساسات ورائحة المكان لكنّهم تركوا حائطها الخارجي فهو تحفة معمارية شرقية ستزيّن واجهة الحضارة الغازية وفي وسطها سيبقى الحجر ليهزأ من الخاسرين وليذكّرنا بعارنا في القدس، فالبناية كانت مرة درة الشرق ومضربًا للبيعات والإفتاء.
ما الجديد في ما صرَّحه المستشار؟ لا جديد يا صديقي، بل تأكيد على وخز المسامير في أكف من يتقلّى على الصليب. لا جديد، بل تذكير بسيّد المقام وصاحب القول ومنضد الأناشيد. لا جديد، ربما. وربما يطمئن بعض المشاغبين والمشاكسين عندهم ليهدأوا ويتيحوا لأحفاد النمل أن يبنوا مملكتهم كما توهمّوا لإرضاء رب الجبال والهياكل. لا جديد أو ربما كلّه جوابٌ لمن يصر أن القدس حرم ومعابد وربما جديد، لمن يفاخر بآلافه ويبايع أقصى، فيأتيهم الصوت ويعلن: بايعوا الأقصى هناك، على منًصّات من وهم وريش وأكملوا رحلتكم في مراكب الريح والغبار فنحن هنا أصحاب القول وبأيدينا المفاتيح وعصي القهر فبأي رب تحدثون؟
ما الجديد يا صاحبي؟ هل تعرف أن في باحة الأقصى وداخل الحرم تعمل محطة لشرطة إسرائيل؟ فتعال إلى القدس واسمع كل يوم فيها من النحيب جديد ورَ أن الجان في زواياها يرتِّل كل يوم ويمجّد إلهًا جديدًا ويقول: "يدع الذباب جميع جسمك سالمًا/ وتراه لا يأوي لغير جريحة"، فالقدس يا صاحبي هي جرح الوطن.

CONVERSATION

0 comments: