يسوع المسيح في اورشليم للمرة الثانية/ يوحنا بيداويد

في لحظة خارج الزمن والواقع الخاضعين لقوانين العالم الأدنى، مرة أخرى شاهدت يسوع المسيح، في يوم الخميس الفصح يسير في ازقة مدينة اورشليم القديمة مهموماً، مسرعاً بإتجاه "علية صهيون"، حيث كان آخر إجتماع له مع تلاميذه قبل صلبه في مثل هذه الأيام قبل الفين سنة. وعلى الرغم من ان تعاليمه وصوره انتشرت في انحاء المعمورة أكثر من اي شخص اخر، لكن كانت الناس تمر من جانبه دون أي اهتمام لعدم معرفتهم له.

اقتربتُ منه واديتُ التحية بكل احترام ووقار، سألته قائلا: هل ظهورك هنا يعني قد حانت الساعة الأخيرة؟ ام ان ما حصل للمسيحيين واليزيديين في الموصل وسوريا هي علامة مخاض لفجر جديد في المنطقة؟ لم يرد على سؤالي بأي بشيء، ولكن سمعته يردد بعض كلمات مبهمة، غير مسموعة على شكل همسات، لم افهم منها سوى كلمة توما. حينها حاولت اضع فرضيات واستبدلها واحدة بالأخرى الى حين اقتنعت في الأخير، بان صرخات أطفال المهجرين من مدينة الموصل وسنجار على يد أبناء الشر الدواعش وصلت الى اعالي مجده، فنزل الى العالم الأدنى مرة أخرى ليسمع ويرى بنفسه عما حصل لهؤلاء المساكين.

تبعت خطواته، الى ان علمت فيما بعد، كان على موعد مع رسله الثلاثة مار توما ومار ماري وماري ادي، مبشري الأمم الشرقية، الذين داعاهم ليستمع إليهم ويستفسر منهم عن أبناء كنيسته واتباعه في فروع الكنيسة الشرقية، عن سبب هجرة أبنائها الى ما وراء البحار، عن سبب الاضطهادات وإقامة المذابح والمجازر التي لاحقتهم، التي تكاد تنهي وجودهم على هذه الارض بعدما كانت كنيستهم تضاهي كنيسة روما من حيث عددها. فهو يدرك كم مئات من الالاف منهم سقطوا شهداءً وهم يحملون صليبه الى اخر رمق في حياتهم، ويتذكر جيدا أيضا، البلاء الحسن الذي قاموا به هؤلاء القديسين في نشر تعاليمه ونقل شعلة النور الى ابعد نقطة من الشرق الاقصى، الى حدود منغوليا والصين. يتذكر كم قاسوا منذ زمن شابور الثاني والفتوحات الإسلامية والمغول في زمن تيمور الاعرج والصفوي وسلاطين بني عثمان ونادر شاه ومير كور، وبدرخان بك، والسلطان الأحمر (عبد الحميد الثاني) والجلادين الثلاثة طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا، مجرمي الحرب العالمية الأولى الذين خططوا واقاموا أكبر مذابح في تاريخ المنطقة، حيث أشرفوا على قتل مليوني نسمة من القوميات المسيحية، المؤمنين بتعاليمه المبنية على محبة الاخر والحوار معه، المبدأن اللذان ترتكز عليهما الحضارة الإنسانية في الوقت الحاضر، الى اخر هذا الزمان الرديء، زمن البغدادي ورجاله المصابون بأمراض الهلوسة الدينية والامراض العقلية، الذي دنسوا المقدسات المسيحية ، كسروا الصلبان وحطموا الايقونات واحرقوا المخطوطات والكتب المقدسة والوثائق، وقتلوا الناس، تصور منعوا الأمهات من حمل حليب أطفالهم الرضع معهم في الطريق، بعدما ان طردوهم من بيوتهم وديارهم وممتلكاتهم.

في علية صهيون، حيث اجتمع حول المعلم مرة أخرى التلاميذ الاثني العشر بحضور عدد كبير من الشهداء والقديسين والمبشرين، بدأتُ استمع الى الحديث الذي جرى بين المعلم الأعظم في تاريخ الانسانية في التسامح ورسوله الثلاثة، مبشري الأمم الشرقية (توما وماري وادي).

في البداية سال يسوع المسيح الرسول توما: " توما قل لي ما الذي جرى ويجري في البلدان الشرقية وعلى أبناء كنائسكم؟"

اجاب توما: "يا معلمنا الأعظم، كما تعلم في بلاد وادي الرافدين حيث ظهرت الومضات الاولى لنور المعرفة والقيم والعدالة الإنسانية، وفيها نبتت أولى بذرات الفكر عن وجود الاله الواحد، خالق كل الموجودات وعن معرفة الخير والشر. لكن بعد ان انتشرت تعاليمكم بين الناس سارعتْ الى قبولها مثلما يسرع العطشان الى الماء ويتلهف الاعمى الى النور، فقبلوا تعاليمكم، وقرر الناس تغير حياتهم من عبودية الغرائز الجسدية – الحيوانية والانتقال الى حياة النعمة وممارسة الفضائل والمفاهيم والأفكار السامية، التي توحد فكر الانسان في طريق واحد، وتؤمن وتمجد الإله الواحد، الذي يزرع المحبة بينهم، فيتوحدون في حياتهم الأرضية فتقل المشاكل والنزاعات بينهم. ذلك الاله الذي لا يتعارض مع نفسه او جوهره الذاتي ولا في اعماله."

التفت السيد المسيح الى مار ماري وسأله:" انت بشرتَ في مملكة اورهاي (الرها) وعمذت ملكهم ابجر اوكاما الخامس الذي كانت تمتد مملكته الى من طور عبدين وماردين حتى حدود مدينة زاخو (زاخوتا)، وفيها كانت اولى الجامعات اللاهوتية في العالم (1).

 ما الذي يجري في هذه الأيام في (كوباني) و(الخابور) من معارك طاحنة؟

أجاب القديس ماري: " يا مخلصي، هؤلاء الناس كانوا بسطاء، يحبون الخير والاعمال الصالحة، لهذا حينما ناديناهم باسمك تبعونا ونحن قدناهم الى معرفة اسرار الحياة والخلاص التي اوصيتها، فتعمذوا بدون عدد او حساب. وبقوا قرون طويلة أمناء لنعمتك، لكن اللصوص نشروا بذور الزوان بينهم، فنشب صراع وكراهية مقيته ضد ابنائك من بني الجهل، شرعوا بقتل أبناء كنيستك منذ زمن بعيد، فلم يبقى حجر او شبر من أراضي ما بين النهرين العليا لم تستقي من دماء شهدائك على يد أبناء هؤلاء اللصوص.

 في (كوباني) هناك معركة بين الخير المتمثلة بالناس البسطاء الذين يحبون الحياة وبين أبناء الشر الذي تركوا عوائلهم وابنائهم في صحاري الجزيرة العربية او جبال منغوليا او من وراء البحار البعيدة. اما من سينتصر وتكون له الغلبة ؟!! ذلك من شأن قداستك السماوية واسرارها، ولكن استنادا على ما علمتنا اياه، لا اشك بأن الغلبة ستكون لهؤلاء البسطاء، لان الحق معهم.

ثم نظر الى مار ماري الذي يُعد مؤسس الكنيسة الشرقية او كنيسة الشهداء (2) موجها سؤالا اخر له:" لقد كانت هذه الكنيسة متجذرة في أعماق الارض ولم ترتض للاستسلام او الزوال، لقد تقدمت الى مذبح الشهادة مئات المواكب عبر تاريخها، ولا زالت كلمات واناشيد الطوباوي مار شمعون برصباعي على مسامعي. ومن بعد استشهاده ظلت هذه الكنيسة بدون راعي لمدة أربعين سنة، ولكن ايمان أبنائها كان اقوى من عدوها شابور الثاني والهته(3). لماذا حل دهر المظالم بأبنائها؟ من الذي فجر الكنائس وخطف الكهنة وقام بتعذيبهم وأقدم على اغتصاب بناتهم ونسائهم، واجبرهم على دفع الجزية او الهجرة او الموت؟

أجاب مار ادي الرسول، يا معلمي، هذه الأرض أصبحت ملعونة من كثر الأرواح الشريرة التي انتشرت فيها، من جراء الأفكار المسمومة والامراض النفسية والهلوسة الدينية، تصور يتم قتل الناس بسبب اسمائها فقط؟!!. فالقتلة يكرهون الاحياء بسبب الأموات واسمائهم. والسياسيين هناك، اسوء نماذج سياسيين ظهرت في تاريخ الإنسانية. لقد عزمت جميع قوى الشر في العالم بتقديم الدعم والمشاركة في التخطيط لتمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الأرض التي كانت مباركة!!، لقد سرق السياسيون قوت الفقراء من دون أي وخز الضمير بسم الله، فقوى الشر هي المنتصرة لحد الان!!".

بعد هذا خيم السكوت المكان، فساد صمت مخيف، كأن ناموس وقوانين الطبيعة على وشك ان تتغير، ثم قام المعلم من مكانه في وسط التلاميذ الجالسين، ونظر الى اوجههم، فتغيرت ملامحه وامتلأ المكان من النور واحاطته هالة من ألوان الجميلة المختلفة، لم تظهر في الوجود قبل هذه اللحظة، ثم بدا يخاطبهم من " كلا الساعة الاخيرة لم تأتي بعد، هذه هي الأمم التي قلت ستقوم على بعضها، انها بداية لمرحلة جديدة، لا بد ان يعبر من عتبتها كل مخلوق، لكي تحصل الولادة الجديدة لكل انسان، وسيَعي كل واحد من بعد ذلك ، ان وجوده ليس منفصلا عن وجود الاخرين، وان سلامة حياته، وهمومه ومشاكله متدخلة مع ما يحصل لأخيه الانسان، فحرص الانسان على ذاته المفرط كما قلت لكم سابقا هي عملية انتحار بحد ذاتها.

 من الان وصاعدا يجب ان يبدا اهتمام كل واحد منكم، بحياة الاخرين قبل ان يهتم بذاته، لان وعي الانسان والمعرفة الإنسانية تطورت ودخلت طورا جديدا، وان الفكر ينتقل مثل الحرارة من شخص المفكر الى البيئة المحيطة به، الى إحاسيس ومشاعر الاخرين، فمشكلة كل فرد أصبحت مشكلة كل المجتمع وبالعكس، فلم يعد للصوص والاشرار مكان ليختفوا فيها بعد الان، لان الوعي والمعرفة تكشفهم بسهولة بعد زمن ليس ببعيد!!، لا توجد فرصة تعيش مجموعة بشرية بسلام وفي طرف اخر حروب ونار وموت وجوع !!. فمصير الأمم لم يعد منفصلا مثل الزمن السابق، حينما تقضي امة على امة وتزيل كل اثارها من الوجود بدون عقوبة، الان أصبحت الأمم متحدة مع بعضها عن طريق ضميرها ووعيها ومعرفتها، ستصبح جميع هذه الامم امة واحدة في المستقبل وسيكون دستورها مبني من (الفه الى يائه) على المحبة التي قلتُ لكم عنها. !!"

ثم أردف قائلا: " نعم بعد زمن ليس ببعيد، ستصبح الإنسانية عائلة واحدة كما كان مقررا، لكن لازالت هناك لحد الان، بعض الكتل من الإنسانية لا زالت تعيش في غيبوبتها، منغلقة على ذاتها، لم يصل وعيها الى درجة لتفهم هذه الأمور، لا زالت منغمسة في غرائزها الحيوانية، لا ترى الا ما يثير غرائزها، فتظن انه الشيء المفيد لها، ولكن في كثير من الأحيان يجهلون انهم اختاروا ما يضر حياتهم، كمضرة السموم للأجسام الحية. ان حصل وغلب عالم الشر، ستُعاد الدورة من البدء، الى ان تعبر كل المخلوقات عتبة المعرفة والوعي التي قلت لكم عنها قبل قليل".

سأله بطرس عميد التلاميذ والشهداء: " هل من جديد في الرسالة التي يجب ان تُنقل الى أبناء كنيستك بعد الان؟" .

فأجاب المعلم وكأنما يخاطبهم، كما خاطبهم قبل الفين سنة، في عيد الصعود، فقال: " أقول لكم جوهر رسالتكم لم يتغير، المحبة هي الوسيلة الوحيدة للخلاص، ولا يوجد بديل عنها، الانقسام له أسباب عديدة، لكن في النهاية معظم اسبابه ترجع الى النقص في الوعي والمعرفة او الخبرة، ولكن قسم آخر هو نتيجة عمل الأرواح الشريرة ايضا، التي تدخل من خلال شهوة الغرائز بسبب سباتكم!!.

 مرة أخرى أقول لكم، اذهبوا الى العالم بشروهم عمذوهم بمفاهيم المحبة والقيم الإنسانية السامية وبكل ما اوصيتكم به مع إعادة النظر لأنفسكم، لأفعالكم، لأقوالكم، صلواتكم، طريقة صمكم ومواقفكم في الحياة اليومية. فأنكم تتذكرون جيدا، ان الرسل الأوائل، لم ينجحوا في حملة رسالتهم قبل الفي سنة ما لم يكونوا أنفسهم مؤمنين بها، مرة أخرى قبل ان تبشروا الاخرين بها يجب ان تؤمنون وتطبقونها في حياتكم اليومية، فالمبادئ التي علمتها لكم قبل الفي سنة لم تتغير، لكن العالم تغير.

 يجب ان تغيروا أنفسكم أنتم، كي تكون لكم الامكانية او القابلية لإيصال او نقل الحقيقة او جوهر التعليم الصحيح، يجب ان تغيروا طرق المخاطبة لأرواح الناس الغارقة في سباتها من جراء الانانية وحبها لذاتها، من جراء سيطرة قوة الغرائز عليها، يجب ان تكون لكم المعرفة والعلم كيف تحرروا ارواح هؤلاء الضعفاء من قيود تلك القوى الشريرة عن طريق الفكر المنطقي والاعمال الحسنة والمواقف الجريئة. لكي يفهمكم الناس يجب ان تفهموهم، ان لم تستطيعوا فهم واقعهم واحتياجاتهم، لن تستطيعوا اقناعهم، بان كلمة ابي السماوي هي خبز الحياة للأجيال القادمة. "

ولك يا توما أقول: " أخبر اهالي بابل ونينوى ان نواح اطفالهم هزت عرش السماء، فلن يتركوا لقمة في ايدي الأشرار".

فجأة اختفى كل شيء امام انظاري ولم أجد نفسي الا وحيدا، لا يوجد حولي أحد، سوى بعض الكراسي واثاث قديمة لم أرى مثلها؟!. خرجت من هناك وانا منذهلا أتسال نفسي عما رأيت وسمعت.
.................................
1-                  جامعة نصيبين كانت قبلة الباحثين واللاهوت والمعرفة الإنسانية، كانوا لا يذهبون الى روما حيث هي مركز الفكر الفلسفي وانما يأتون اليها. لم تجف دماء الشهداء منذ قرون عديدة.
2-                  2-    مار ماري هو تلميذ مار ادي، اوصاه ان يذهب الى مملكة حدياب في شمال وادي الرافدين ومدينة بابل (قطيسفون) في الجنوب للتبشير بكلام خبز الحياة.
3-                   شابور الثاني اقام هذه المذابح بوشاية من كهنة الديانة الزرادشتية. شابور الثاني اقام هذه المذابح بوشاية من كهنة الديانة الزرادشتية.

CONVERSATION

0 comments: