بين تسريبات كشف المستور والاتهامات بتفجيرات كنيسة القديسين/ راسم عبيدات

......... الساحة الفلسطينية المخربطة والمبعثرة أوراقها،يبدو أنها تتجه نحو المزيد من الخربطة والتبعثر،ويبدو كذلك أن ملفات المصالحة وإنهاء الانقسام والحوار والوحدة الوطنية تتعقد أكثر فأكثر،والصراع والخلافات الداخلية تزداد حدة وتنذر بالعودة مجدداً إلى ما هو أبعد من الاعتقالات السياسية،وخصوصاً في ضوء التطورات الأخيرة والمتمثلة بقيام الجزيرة بنشر وثائق تتعلق بالعملية التفاوضية الإسرائيلية - الفلسطينية والحديث عن تنازلات جوهرية قدمها الفريق التفاوضي الفلسطيني مست جوهر ومرتكزات البرنامج الوطني الفلسطيني في قضايا القدس واللاجئين،ورغم أن الكثير من المعلومات وما حوته تلك الوثائق ليس بالجديد،إلا فيما يتعلق بموضوع الشيخ جراح ونسب تبادل الأرض في القدس،فإن كل من هو متتبع ومراقب للشأن السياسي يعرف حقيقية تلك المعلومات والوثائق، فمحادثات "كامب ديفيد" الثانية في واشنطن عام/2000 بين بارك والشهيد ابو عمار برعاية الرئيس الأمريكي كلينتون تحدثت عن ما يشبه إلى حد كبير ما نشرته وثائق الجزيرة من معلومات ومقترحات قدمها كلينتون،ورفضها الرئيس الفلسطيني،ولكن الشيء الخطير واللافت هنا،أن الطرف الفلسطيني المفاوض والقيادة السياسية الفلسطينية بدلاً من الارتباك وردود الأفعال المتسرعة والهجوم على الجزيرة والقول بأن تلك الوثائق مزورة وأكاذيب ومجتزأة من سياقاتها ...الخ،فمن الواضح أن الجزيرة حصلت على تلك الوثائق من لهم صلة وثيقة ومباشرة بالعملية التفاوضية والقول بأن تلك الوثائق ونشرها تستهدف رأس القيادة الفلسطينية والمشروع السياسي الفلسطيني ...الخ،فأنه آن الأوان لتلك القيادة القول بأن المسار التفاوضي العبثي قد وصل إلى نهاياته وغير مجدي وضار ويربك الساحة الفلسطينية ويدخلها في متاهات ضارة بوحدة الأرض والشعب،ومصارحة الشعب بالحقيقة وكشف كل ما هو متعلق بالعملية التفاوضية،ونشر كل وثائق التفاوض الأصلية وتشكيل لجنة مستقلة لدراستها،ومحاسبة كل من قدم تنازلات مجانية وغير مبررة،فالمصداقية وإعادة الثقة إلى الجماهير من العوامل الهامة والضرورية في التفاف الشعب حول القيادة،وخصوصاً أن تلك القيادة تعلم جيداً،أنه بدلاً من المسيرات والتظاهرات الموجهة،فإن المقدسيين بدون تلك التسريبات والوثائق وعلى قلة الدعم الذي تقدمه القيادة الفلسطينية لهم،وعدم الاهتمام الجدي والكافي بهمومهم الاقتصادية والاجتماعية والترحيل المتواصل لقضيتهم السياسية وفي ظل حرب شاملة تشنها إسرائيل عليهم بغرض حسم مصير المدينة من خلال طرد وترحيل سكانها العرب الفلسطينيين في إطار سياسة الأسرلة والتهويد يجعلهم جاهزين للقبول وتداول ما تضمنته تلك الوثائق دون تمحيص أو تدقيق،والقيادة الفلسطينية تعلم جيداً أن آخر استفتاء نظم أشار بشكل إلى واضح بأن المقدسيين الراغبين بالانضمام إلى السلطة الفلسطينية لا يتجاوز الثلث في حال حدوث تسوية سياسية،وهذا مؤشر خطير جداً،وعلى القيادة الفلسطينية دراسته بشكل جدي،وعليها أن تقر بأنها مقصرة بشكل كبير بحق القدس والمقدسيين،ويكفي اجترار الشعارات والبيانات حول دعم المقدسيين والمرجعيات والعناوين المتخشبة والمتكلسة والمعينة والمتصارعة حول النفوذ والمصالح والامتيازات.

وأيضاً بالجهة المقابلة فإن ما نشرته الحكومة المصرية بشأن التحقيقات في قضية تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية حول أن عناصر ما يسمى بجيش الإسلام الموجودة في قطاع غزة هي المسؤولة عن التفجير الذي حصل في كنيسة القديسين في الإسكندرية عشية رأس السنة الميلادية،فإذا ما ثبت صحته فهذا يستدعي من الحكومة المقالة في القطاع،تفكيك هذه الشبكة الإجرامية،تلك الشبكة المتمسحة بالإسلام،والتي تنفذ أجندات وأهداف مشبوهة،فمثل هذا التفجير واضح الهدف والقصد والمستفيد منه،وهم بالأساس دعاة ما يسمى بالفوضى الخلاقة،فعدا عن وسم ونعت النضال الوطني الفلسطيني بالإرهاب،العمل على تجزئة وتقسيم وتذرير الجغرافيا العربية،من خلال تفكيكها وإعادة تركيبها بما يخدم أهدافهم ومصالحهم في المنطقة،وكذلك في حالة ثبوت الاتهام،فإن ذلك يشرع الهجوم الإسرائيلي على القطاع من اجل القضاء على "الإرهاب" في القطاع،أي ذبح المقاومة الفلسطينية.

ما يجري الآن على درجة عالية جداً من الخطورة،وهذه الحالة لا تدفع فقط بالمزيد من الخربطة والتبعثر على الصعيد الفلسطيني،بل ورفع وتائر الخلافات والصراعات الداخلية،والتصفية الشاملة للمشروع الوطني الفلسطيني،فعلى الصعيد التفاوضي وفي ظل انسداد أفق العملية التفاوضية- السياسية،وعدم الاستجابة الفلسطينية العودة للعملية التفاوضية في ظل مواصلة الاستيطان،والتوجه لطرح مواصلة إسرائيل للاستيطان في القدس والضفة على مجلس الأمن،فإنه مهم للجانبين الأمريكي والإسرائيلي مواصلة الضغط على الطرف الفلسطيني،من اجل التسليم الكامل بالشروط والإملاءات الإسرائيلية،وخصوصاً أن ما صرح به الطرف الفلسطيني المفاوض بأننا رغم ما نقدمه من تنازلات،فإن إسرائيل ترفض القبول بهذه التنازلات،وهذا شيء خطير جداً ويدلل على العقلية التي تدار بها هذه المفاوضات،فالثبات على المواقف والتمسك بالحقوق،بحاجة إلى إرادة ووحدة موقف فلسطيني،وبحاجة أولاً وقبل كل شيء إنهاء ظاهرة الانقسام المدمرة،وإعادة الاعتبار إلى البرنامج الوطني الفلسطيني،وقبل شيء وأولاً وإذا ما كانت ما ذكرته وثائق الجزيرة صحيحية فعلى القيادة الفلسطينية،أن تسحب من التداول أية تنازلات جرت وقدمت،فنتنياهو نفسه وحكومته رفضوا استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها، فالمستهدف بالأساس ليس هذه القيادة أو تلك،بل ما هو مستهدف الأرض والمشروع الوطني الفلسطيني.

المكاشفة والمحاسبة ضرورية،ولا يجوز القفز عن جوهر القضية أو الهروب للأمام،من خلال اللعب على العواطف والمشاعر،وتحويل القضية إلى قضية الجزيرة وقطر،بل الجميع يعرف أنه في مباحثات طابا / 2001 تمت الموافقة على مبدأ تبادل الأراضي،ودخلت في نسب التبادل وفي الكتل الاستيطانية التي ستنضم الى إسرائيل والأمور وصلت الى حارة اليهود وحارة الأرمن وحائط البراق والشيخ جراح والحبل على الجرار.

والسلطة الفلسطينية صحيح أنها لم تغادر النهج التفاوضي بالمطلق،ولكنها على أقل تقدير بدأت تلجأ الى خيارات أخرى بعدما كان خيار التفاوض هو خيارها الوحيد،وهذا موقف يجب أن يدعم ويساند ويشجع،يدعم ويساند مع ضغط على السلطة لكي تغادر هذا النهج والخيار بالمطلق،فهو ثبت فشله على أرض الواقع ومحكوم عليه بالفشل في المستقبل،ونشر الوثائق من قبل قناة الجزيرة من شأنه في هذه المرحلة أن يزيد من الضغوط على السلطة الفلسطينية من أجل القبول باستئناف المفاوضات وفق الشروط الأمريكية – الإسرائيلية،والقبول بالدولة ذات الحدود المؤقتة التي ينظر لها قادة إسرائيل موفاز وديسكن وليبرمان ومن خلفهم نتنياهو.

CONVERSATION

0 comments: