مزارات لا تصلح للحجيج/ أسعد البصري



(1)

"بلادي،
بلادي..
مع سعالها الطويل
تلفظ ُالآلآم
مخلفة ًريحاً
و موتى ، ومزارات لا تصلح للحجيج " / فرات إسبر

بعد قتل نصف مليون طفل سوري ، هل سيذهب الإيرانيون ، والعراقيون الظافرون ، للبكاء في ضريح السيدة زينب بدمشق كعادتهم ؟ . البكاء على ماذا ، بعد كل هذه الدماء ؟ . وأية روحانية بعد هذا الإجرام ؟ . زيت قناديل المزار المقدس ، من شحم الأطفال ، ولحم الأمهات السوريات . الجنود الذين رأيناهم ، يقطعون آذان الشعب السوري البطل بالسكاكين ، ويضعونها في جيوبهم كالطوابع ، هل سيرسلون أمهاتهم ، بعد النصر الكبير على الشعب السوري ، لزيارة السيّدة " رقيّة " ، والبكاء بسبب المتوحشين الذين سحبوا الأقراط سحبا ، و جرحوا شحمة الأذن ، قبل آلاف السنين . قبل إعلان حقوق الإنسان ، والثورة الفرنسية ، و موسيقى فيروز . بينما ما زالوا هم يحتفظون بعشرات الآذان الطرية ، الصغيرة والكبيرة ، ولطالما رفعوا جثث الصغيرات السوريات ، المتيبّسات والميّتات من الخوف والرصاص . " مزارات لا تصلح للحجيج " . و بعد أن تنتهي مهمة حزب الله اللبناني في سورية ، هل يستأنف الحزب الظافر مهمته التاريخية بتحرير فلسطين ، والمسجد الأقصى ، و القدس ؟ " مزارات جديدة " . أعتقد بأنه سيواجه بنادق الشعب الفلسطيني ، قبل الجيش الإسرائيلي . المقاومة اللبنانية انتهت ، بأول رصاصة طائفية من حزب الله ، إلى صدور الشعب السوري العظيم . الشاعرة المبدعة فرات إسبر أم سورية عظيمة ، و شاعرة علمانية إنسانية ، يتدفق الشعر الإنساني منها بعفوية مذهلة . ربما هي نفسها ، لا تعلم بأن هذا سيكون أحد المعاني الممكنة لكلامها . ولا تعلم بأننا حين نتكلم بلسان الألم نقول أشياء ، لم نقصد قولها . مع هذا هي غير مسؤولة ، عن تأويلاتي الخاصة لشعرها .

(2)

هل تسمح لك زوجتك بقراءة كتاب ؟ . الكتاب يحتاج إلى تركيز ثلاثة إلى خمسة أيام . هل تمنحك كل هذا الوقت بلا كارثة ؟ . بلا تأنيب ؟ . بلا شيء مفاجيء يحدث ويقلب الدنيا ؟؟ . المقالات فقط مسموح بها ، أما الكتب فانس الأمر صديقي . الآن عرفت لماذا ماركس يذهب كل يوم إلى المكتبة ، ولا يقرأ في البيت . اذهبوا إلى المكتبة ولا تغرّنّكم العهود ، والمواثيق . المرأة تغار من بنات أفكارك الجميلات . لكن إياكم والعزوبية . الكاتب العازب ، نصف كتابته مقبول ، والنصف الثاني غرور ، و كلام فارغ . الزواج نصف الدين ، والله يُثَبِّت علينا العقل ، والدين . أتذكر حين طردتني زوجتي العام الماضي ، أكلت البيض ، ثلاث وجبات كل يوم ، وادعيتُ النبوّة ، كما لم أنم سوى ثلاث ساعات في اليوم . ولولا أنها غَفَرَتْ لي ، لكانت مقالاتي اليوم ، أشبه بصراخ هؤلاء العزاب المرعبين على الفيس بوك . صحيح أنها تنزعج من انشغالي الدائم بالكتب ، و صحيح أنها تلقي على رأسي الماء البارد ، حين تخاف على عقلي ، من الشرود الدائم . مع كل ذلك ، هذه المرأة النائمة بين ذراعي زوجها الشاعر ، المتعبة من البيت والأولاد و الزوج الأبله ، هي نصف عقلي ، وكل ما يربطني بالمنطق .

(3)

أعتقد بأنني نجحت من خلال نشاطي المتواصل ، فضح مشكلة كبيرة في البنية ، والخطاب السياسي ، والثقافي في العراق الحالي . وهو نشاط شخصي مجاني ، ربما بسبب حجم الجهود التي بذلتها ، وساعات الكتابة والمتابعة ، يصعب على البعض ، تصديق مجانية نشاطي . لكنه كذلك ، نشاط مجاني و مستقل . أهم ما توصلت إليه ، هو أن النظام العراقي الصفوي ، يحجب جيلا بأكمله من الكتاب والمبدعين السنة . إذا كانوا يحجبونني أنا الكهل ، الكندي الجنسية ، الذي كان يعيش في شقة مقابلة لشقة السيد نوري المالكي في المنطقة الصناعية ، أيام المعارضة ، فما بالك بشاب موهوب من الرمادي مثلا .

(4)

حين هربت من بيتي الواقع على النهر ، قبل عشرين عاما . لألتحق بالمعارضة ، كان علينا فيما بعد ، الهرب إلى الحدود ، بخريطة عسكرية قديمة . بعد يومين من المشي المتواصل ، كان علينا أن نختار ، بين خمسة اتجاهات ترابية متباعدة كأصابع اليد . أشعلنا نارا ، وقالت لي المجموعة التائهة " أنت تقرأ الخريطة ، وأنت تختار الطريق " . عرفت من الآثار الحديثة على إحداها بأنها هي الطريق الصحيحة . إن عمر الإنسان يضيع في متاهات العقل . لهذا الوعي ضروري للإنسان . في كل لحظة هناك فرصة للخلاص ، و هناك فرصة أكبر للضياع التام . كان عليّ أن أختار الطريق الصحيحة منذ زمن طويل ، و أصبح كاتبا فقط . لقد جربت مهنا كثيرة ، و سلكت دروبا كثيرة ، بكل تأكيد أضعت وقتا طويلا جدا . الغريب أنني حين رجعت إلى الكتابة ، وجدت رفاقي القدامى ، لم يتقدموا خطوة واحدة في حياتهم . مازالوا يكتبون السطور الغامضة السخيفة ذاتها ، و يحصدون لأجلها إطراء المنافقين . مازالوا يحملون الحقائب الجلدية ذاتها ، ويحدقون ببعضهم ، تحديقهم في الفراغ . ربما أَلَّفَ كل واحد منهم عشرة كتب ، لا تصلح أوراقها لمسح الطاولات المبلولة ، ولا علفاً للماعز . ربما كان عليّ أن أعمل بائعا متجولا ، و صباغا ، و متعهد عقارات ، و مسوق خدمة هواتف ، ومدمنا في شوارع بعيدة جدا عن بيتي ، حتى أكتشف كل هذه الآشياء العجيبة ، التي لا يمكن لك أن تعرفها في البار والمكتبة . إن سر البشرية كلها ، يمكن العثور عليه دائماً ، في مغامرة يقوم بها إنسان واحد فقط .

(5)

انتخابات : هل تريد التيار الصدري أو حزب الدعوة أو المجلس الأعلى أو الضد النوعي السني و قمامة الحزب الإسلامي ؟ ، لا أريد أيا من هؤلاء ، ومع أي مشروع يسحلهم في الشوارع . الدنيا التي أنقلبت وجاءت بهؤلاء ، من ثياب السجون ، إلى ثياب الأمراء . تنقلب مرة أخرى ، و نراهم بثياب الحِداد والذّل من جديد . ليس على الله بعزيز . في الحقيقة أنا مهتم بموقف قاسم سليماني ، والخامنائي ، و حسن نصر الله ، و السيستاني ، و بشار الأسد من المشروع الطائفي الإيراني . ولا أقرأ أبدا مواء ، و حداء ، و هديل مثقف كذاب يتباكى من حرب أهلية قادمة في العراق . مثقف فاشل ، درجة عاشرة ، وضعوه في قمة المناصب الثقافية بسبب التقارير الطائفية التي يكتبها ، يستلم عشرة رواتب كل شهر ، من عشر جهات غامضة . لماذا يريد حربا من أي نوع في العراق ؟ . العبيد والمستذلون والمهانون ، يريدون حربا يموتون فيها ، و يرتاحون من هذه الحياة الكريهة . هذه الحياة ، التي لن يخسروا فيها ، سوى أغلالهم ، و فقرهم ، و عذابهم . المثقف المرتزق الرديء ، يريد أن يبقى الوضع هكذا بسلام ، إلى الأبد . إن ما يفعله فخري كريم وأمثاله ، من محتكري المؤسسات الثقافية العراقية ، هو تخدير الشعب ، بثقافة ظاهرها نقد للحكومة ، وباطنها تخديييييييير . حتى يعتاد العقل على نقد الحكومة ، و القبول بها في نفس الوقت . ثقافة تافهة ، لا أساس فكري لها ، ولا روح عظيمة تمثلها ، مجرد لغو ، و دوران ، ثيران في ناعور لغوي عبثي

(6)

نصيحتي لكل كاتب عراقي ، كن محلقا كصقر ، لا تدخل في الطهارة . لا تكتب مقالا عن خلافات بين بين التيار الصدري و حزب الدعوة ، ولا عن صراع بين تنظيم القاعدة في العراق و جبهة النصرة في سورية . هكذا مقالات ليست فاشلة فقط ، بل تفضح مهنتك الأساسية ككاتب تقارير .

CONVERSATION

0 comments: