ديكتاتور ليوم واحد فقط/ غازي أبو ريا


من غريب عادات البشر انهم يحبون اقتناء كل جديد ان وسعهم، ويرغبون تجربة كل ما يثير استطلاعهم ان اقتدروا. فما ان نسمع عن فاكهة جديدة حتى نسارع الى تذوقها إن سمحت الحال، وكغيري من معشر البشر، أثارت فضولي موضة الديكتاتورية، ما مذاقها؟ ما لونها؟ وأي نشوة تسري في الجسم عند تعاطيها؟
وباختصار غير شديد، قررت أن أتعاطى الديكتاتورية، أشمها، أعيشها وليكن ما يكون. لكن، من تلك المجموعة البشرية التي سترضى أن تنصبني ديكتاتورا عليها وتكون لعبة لتجاربي ورغباتي وفضولي؟
"أيها الشعب! إن زمن الحرب يحتاج رجالا كزمن السلم، وزمن الجوع يحتاج عظاما كزمن الشبع، ومن هنا، من المطبخ عاصمة بيتنا الخالدة، أعلن عن حالة طوارئ بسبب الظروف التي يمر بها شعب بيتنا المقاوم للاستعمار، إن أعداءنا المحيطين بنا من دولة أبي غضنفر إلى مملكة آل غضبان يهددون أمن دولة بيتنا، ومن هنا لا بد من يد حديدية تمسك عنان دباباتنا، ولا بد من أنظمة تتماشى مع المرحلة". هكذا افتتحت خطابي في اجتماع حاشد ضم زوجتي وأولادي وبناتي دون أي ضخٍ إعلامي، ولا حاجة للقارئ بالنص الكامل للخطاب، المهم، لم يصفق أحد، حتى حين كنت ارفع الصوت وأتوقف فجأة لابتزاز تصفيق، ظل الجميع يحملقون بي مكتوفي الأيدي، حتى زوجتي التي تجامل كل الناس وتصفق حتى تهترئ منها الايدي والاكتاف، لم تجاملني ولو بتصفيقة واحدة! وفي الحقيقة منذ تلك اللحظة بدأت أفقد ثقتي أنا الديكتاتور بهذا الشعب.
في أول صباح من يومي الأول كديكتاتور لدولة بيتي، أفاق أولادي وبناتي من النوم على صوري التي تغطي كل الحيطان وفي كل الغرف، لا شهادات تخريج، لا صور ممثلين وممثلات، لا شيء على الحائط إلا أنا، ولا بد من ذلك حتى أتيح لشعبي التمتع بتسريحة شعري، بابتسامتي، وبإعطائه كامل الحرية للتغني بأوصافي التي لم يُخلق مثلها في العباد، وفي غرفة نومي التي علقت على جدارها الشمالي صورة زفافي، أفاقت امرأتي على غيابها من المشهد، فهل من العدل أن أحرم حرمي من تركيز حواسها في هذا الزوج الديكتاتور الذي بلغت سطوته كل غرف البيت، من الصالون إلى الحمام!!
أجلست الشعب على مائدة صباحية، زيت وخبز وملح، كان فطورهم الأول في عصرهم الجديد، وأمامي خبز وجبنة وبعض العسل وخضروات تغيظ العدى، وزيت سمك يحفظ للديكتاتور أنا تماسكا في اللحظات العصيبة التي يمر بها شعبي أنا. وبما أن الحكمة مطلوبة في حالات الحكم الحكيم، ناولت زوجتي قطعة جبنة إكرامية مني أنا، فقد رأيتها تهرب قطعة الجبنة إلى ابنها الأكبر الذي سيذهب إلى العمل، وأصارحكم بأنني رأيت بهذه العملية بداية تآمر ضد سلطتي، والأنكى من ذلك ان ابنها مرر قطعة الجبنة اياها والتي تكرمت بها الى أخته الصغرى، وفي الحقيقة، بدأت وبذكاء أستشعر أن شعبي يحتاج إلى تثقيف، ويحتاج الى "نقلة نوعية في ادراك متطلبات المرحلة"، وبدون أي ضخ إعلامي، فوجئ شعبي بالطريقة التي أعدت قطعة الجبنة إلى صحني، وصار كل فرد ينظر إلى الآخر، وكأنهم يسألون بعضهم، من اعاد قطعة الجبنة إلى صحن الديكتاتور؟، وكانت زوجتي أول من أداروا ظهورهم لها، وهذا بالضبط ما كنت أود أن أبلغه، أن أسرق منهم حب أمهم حتى يتعلقوا بسيادتي اللا منقوصة.
وقبل أن يشاهد ابني أباه الديكتاتور واقفا على عتبة البيت، كانت صورتي تطل عليه من بعيد بحجم يغطي وجه البيت كله، ورأيته يمشي متحاشيا النظر إلى صورتي، قلت: يا لهيبتي العظيمة التي ضيعت لذة نعيمها! يا لعظمتي! أأنا ديكتاتور! أأنا بهذه العظمة!! لكن ولدي دخل البيت ولم يقل لي كلمة واحدة، وسجلت عندي بأن هذا العاق يجب أن يُعاقب أمام كل شعب بيته، وعادت الطفلة المدللة التي أحبها أنا الديكتاتور، وهي تآمرت مع أخوتها وأمها على شرعيتي، ولم تلتفت إلي، لكنها قالت متمتمه: "أنا جوعانة" وبالطبع، فهمت أن هناك مؤامرات تُحاك ضدي، وأن الأمر يحتاج الى تثقيف الشعب وتحصينه من المؤامرات المغرضة التي يقلقها مقاومتي لتهريب الحرية والعدالة والاشتراكية والديموقراطية.
ومع ساعات العصر أو بعدها بقليل، كان الشعب قد عاد إلى غرفه وجدرانه وصوري، وكل مواطن شغل تلفزيونه، كل المحطات كانت تبث صوري وخطابي، لا شيء على التلفاز غير أنا، بحثوا عن أغنية في أي إذاعة تريحهم، كل الإذاعات تبث أغان عن بطولاتي، وعند العشاء انتظرت الجميع، كنت قد أحسست بأنني أثقلت على أبنائي، وأحسست أن لعبتي الصغيرة مع أولادي قد انتهت، لم أثقل عليهم كثيرا، ولم أبالغ في الحماقة معهم، كل الحكاية أنني أردت تربيتهم على مأساة الرضوخ للديكتاتورية، ولكنهم حين اجتمعنا على العشاء، وعلى المائدة أطايب الطعام، ومناديل مسح الأيادي وابتسامات شاسعة مني، وقلت: أبنائي الأعزاء! وجاء الرد، لسنا أعزاء بل أذلاء عندك! وحاولت بكل بلاغة اللسان إقناع أهل بيتي بأنني حاولت فهم شعور شعب تحت حكم ديكتاتور، وأن التجربة كانت ليوم واحد فقط، وأنني لم أبالغ في القمع، اغفروا لي هذه التجربة التعيسة ليوم واحد! أنا والله أردت فقط أن أجرب، وجاء الجواب: ارحل عنا!
لم تتحمل اسرتي ديكتاتوريتي ليوم واحد، فكيف يتحمل أي شعب حكم فرد سنوات بعد سنوات، ولا ضوء في آخر النفق يبشر بنهاية للظلم؟ وكيف تتبرع ما يُسمى بالنخب أن تكون محامي ابليس وتدافع عن الديكتاتور الذي يقتل الناس صباح مساء؟ مثل هؤلاء اشتروا العبودية، ويريدون للشعب ان يكون عبدا مثلهم، خذوا مثلا أبواق النظام السوري الذين مسحوا وجوههم بالذل، ويزعجهم وجود احرار يبيعون ارواحهم لشراء لحظة من الحرية، ولا أعتقد أن من يدافع عن ديكتاتور وتحت أي عنوان كان، يستحق في هذا الزمان لقب إنسان، أو على الأقل فإنه يعيش في زمن افتراضي غير هذا الزمان.

CONVERSATION

0 comments: