عندما الصهيونية تفكر لثورات عربية/ سعيد الشيخ

الديكتاتورية حقيقة مسلّم بها وهي موجودة في الوطن العربي، ويقابلها مسألة الحرية القائمة والتي تظل حاجة ضروية لنمو المجتمعات التي توقف نموها بسبب طغيان الديكتاتورية. أو للمجتمعات الساعية دائما الى التطور كأيقونة نهضوية لا يمكن الاستغناء عنها.
ديكتاتورية قائمة وحرية ساعية، هكذا يمكن اختصار وصف المشهد العربي برمته.
المشهد الذي تتلقفه الصهيونية العالمية فتمد براثنها الى معالمه، محاولة رسمه بما يحقق مصالحها كتطبيق عملي لابتلاع فلسطين التاريخية ولتحقيق تطلعاتها في المنطقة عبر اضعاف دول المحيط الجغرافي لكيان "اسرائيل"  والى ابعد حدود الهزال، كي ينتعش الكيان عبر سرقة خيرات هذه الدول والمريضة بهزالها لعقود طويلة قادمة. وكل هذا يتم برعاية اميركية واوروبية تحت عنوان تقاسم المصالح في دول فاشلة لا ينبغي لها ان تكون أو تكون تحت الوصاية.
لا يمكن بحال من الاحوال تفسير المشهد على غير هذه النتائج الظاهرة وعلى ضوء تحركات برنارد هنري ليفي المفكر الصهيوني الفرنسي الذي قارن مؤخرا قضية الحرية العربية بما سماها الحرية الصهيونية في فلسطين.
هرطقة فكرية الى أبعد الحدود واستخفاف بالعقل بما يذهب اليه ليفي ولا يساوي شيئا أمام حقائق التاريخ .. لا يفهم المرء كيف تعايشت وتتعايش معه الثورة الليبية ومؤخرا الثورة السورية. اذ منذ البداية كنا نعتبر وبلا ادنى شك ان الثورة الليبية ترتكب خطيئة فاحشة بتعاونها مع ليفي الذي عسكر الدنيا تحت حجة حماية المدنيين في ليبيا وخاصة في بنيغازي التي كانت كما هو معروف هدف الزحف العسكري لقوات القذافي.
كانت لحظة حاسمة عندما بدأت قوات الناتو تدك الاراضي الليبية، وهي اللحظة التي تبحث عنها دائما القوى الغربية لتبرير تدخلها وصبغه بصبغة انسانية. وهي اللحظة التي لم تنضج بعد في سوريا على ما يبدو. ذلك ان الحرص الانساني الذي يدّعيه الغرب في زمن الرأسمالية المتوحشة التي لا تتحرك الا ضمن نطاق مصالحها اللامحدودة يبدو نكتة سمجة واحتقار للعقل.
 ان يذهب ليفي الى مهرجان "كان" السينمائي الشهير لعرض فيلمه عن الثورة الليبية وبمعيته اشخاص يمثلون الثورتين في ليبيا وسوريا فهذا أكبر سخف يلحق بهذه الثورات كما انه يلوّث الثوار بوصمة عار ويفقد الثورة نقاءها ومثاليتها.
 ولا يحتاج برنارد ليفي لاخفاء صهيونيته المقيتة فهو يجاهر بها، لكن المشين حقا الصمت امام ادعاءاته بأن معركة الحرية في ليبيا هي تشابه معركة حرية الحركة الصهيونية في فلسطين .. وكما هو معلوم بلا لبس ان في فلسطين لم يكن يوما معركة للصهاينة من أجل الحرية بل كان هناك اغتصاب بالقوة للوطن الفلسطيني وهو ما زال قائما بمزيد من المجازر والسياسات العنصرية.
ليفي يقدم الاهانة للثورة الليبية حين يقصد ان يمتدحها بمقارنتها بالحركة الصهيونية، وأية اهانة تنتظر الثورة السورية في المديح الصهيوني؟..
أم ان لا اهانة في الامر، لأن تطلعات الثوار في ليبيا وفي سوريا هي فعلا تتطابق مع تطلعات الصهيوني مفكر الناتو برنارد هنري ليفي المغلّفة باسقاط الديكتاتورية الوطنية ليحل مكانها الحداثة الاستعمارية؟!..
 اذا كان السؤال صادما لبعض الثورار فأنه حريا على الثورة، كل قوى الثورة العربية القائمة والقادمة الساعية الى مشروع نهضوي ان تكوّن مفكريها ومثقفيها قبل البحث عن الطلقات والصواريخ، وبذلك تبني حصانتها الفكرية التي يمكن ان تتصدى لتفوّهات ليفي المثيرة للسخرية ولكل من يريد ان يركب الثورة ببطولات زائفة.
ان ثورة عربية لم تنتج مفكريها الوطنيين فانها يليق بها المرابي ليفي.  
سعيد الشيخ
كاتب وشاعر فلسطيني

CONVERSATION

0 comments: