لإصلاح بالعقل/ صالح خريسات


أطلب من القارئ الكريم، أن ينسى في هذه اللحظة الراهنة، تفاصيل ما يجري من أحداث على امتداد مساحة الوطن العربي الكبير. وأطلب منه أيضاً أن ينسى ما يحب وما يكره، كما ينسى معتقداته الأخلاقية فيما هو خير وما هو شر، ليحكم على الأمور بطريقة علمية محضة وأسلوب بعيد عن التحيز تماماً.
هناك نوع من التفكير السيئ، تقوده فئة مضللة تريد أن ينتهي الأمر بالأنظمة السياسية والاجتماعية إلى الزوال التام، والوقوع في فخاخ الفوضى العارمة، فبعد أن توصلنا في نهاية المطاف إلى ما وصلنا إليه من حكمة في الوقت الحاضر، يريد هؤلاء أن يعجلوا للمرة الثانية بالسقوط، كما حدث في العصور الإسلامية السابقة، عن طريق توريط الجماهير في فخاخ السلطة والوصاية.
ويتكلمون في كل مكان، وبصوت مرتفع، عن الإصلاح وعن التنوير، ويطلبون من النظام أكثر فأكثر. ولكن ما فائدة الإصلاح إذا كان في الناس من لا يريد إصلاحا؟ ولما كل هذا النور إذا كان في الناس من لا عيون لهم، ومنهم ذوو عيون لا يفتحونها؟ وكيف يطالبون بالتقدم إلى الأمام وعيونهم خلف الرأس. أو على نحو مما قاله الخالق سبحانه "تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون"
إن الإصلاح وضع مختلف، يمر بمراحل تطور فكرية لم نتلمسها في حياتنا المعاصرة بعد، ليس بسبب وجود النظام السياسي نفسه، وإنما بسبب طرائق تفكيرنا البدائية. فقد سقطنا في وهدة الطلاسم المحيرة، وعافت عقولنا الشديدة الحرص على الوضوح، ما انحدر إلينا من غموض في التفسيرات، والتأويلات العجيبة.
إن الإصلاح ليس هو تحريك النفوس، ولا هو العاطفة والحس، بل هو أعمال الفكر الصارم الدقيق، وإتباع نظام العلم الذي لم تتقبله الجماهير المطالبة بالإصلاح. إن الإصلاح يقتضي أن تكون العقول مستعدة، لقبول تعديل فكري، بخصوص المسائل التي كانت تطرح عليها بقوة متزايدة. إنه ليس ثورة دامية، ومظاهرات تستند إلى الرغبة في العنف والتدمير، أو الذهاب إلى الحرب. إنه حالة تفتح للمشاكل الروحية، التي تستوجب قواعدها حياة تلتئم أكثر فأكثر، مع متطلبات الفرد. وهذه المشاكل، كانت دون شك، أساس تحرير الشعوب، وهي التي تسمى الدروس الصعبة، وهي التي مهدت السبل أمام ارتقاء العالم.
لقد كنا نرى في العالم الغربي، قبل الإصلاح، أفكاراً ثائرة لا تتفق مع أفكار المجتمع وتقاليده، وعاش المفكرون والأدباء حياة صعبة، في سبيل أفكارهم المتحررة. فكانت لهم وجهات نظر ثورية، في التربية، وفي الفلسفة، وفي الاجتماع، وفي السياسة، أسخطت الرأي العام، لكنهم خلقوا وعياً متمرداً قاد بالنتيجة إلى الإصلاح.
لقد حوكم هؤلاء مرات عديدة، ودخلوا السجن مرات، وجرحوا وأهينوا وعذبوا ومنهم من قتل وأحرق حياً، لكنهم ظلوا وفيين لآرائهم، مصممين على عهدهم، ضاربين المثل في الشجاعة والثبات على المبدأ. لكن أحداً منهم لم يطلب السلطة، وإنما طلبوا الإصلاح!

CONVERSATION

0 comments: