ومن العراق يتعلمون/ صالح الطائي


لم تكن عملية اكتشاف الكتابة في العراق ونقلها إلى أمم وشعوب العالم الأخرى محض صدفة حدثت دونما مقدمات، ولم يكن بناء الحضارات الأولى في العراق لتلهم الأمم الأخرى كيفية التطور وبناء الحضارات مجرد مفاجأة دونما إعداد، فقد أراد الله تعالى للعراق المخر لقيادة العالم كله في عصر الظهور المقدس أن يكون على الدوام ملهما للأمم معلما للشعوب رغم الألم والمعاناة التي سببتها هذه الأسبقية وهذا المركز المائز، فالعراق عبر تاريخه كان حقل التجارب الذي يتحمل النتائج العرضية ومخاطر فشل التجربة وانعكاس المعطيات ليصنع للعالم ما يسعده وما يخدمه ويفيده.
وكما كان العراق في العصر القديم هو اليوم كذلك، فعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية تعرض العراق لهزات صدف أن تكرر بعضها لدى شعوب أخرى فأعطت ما لم تعطه التجربة العراقية ولنأخذ حرب تحرير الكويت 1990/1991 مثلا يوم قام التحالف الدولي بقيادة أمريكا بإخراج الجيش العراقي من الكويت بشكل اقل ما يوصف به انه مخز وحقير، مخز للجيش العراقي البطل الذي عرضه جهل القيادة إلى مخاطر لا توصف ووضعه في امتحان لا ينجح فيه أحد، ومخز وحقير للقوات الدولية التي كانت تعرف حقا قدرات الجيش العراقي ونواياه الحقيقية وكرهه للعدوان والحرب ولكنها استخدمت كل المتاحات لتبيد الجنود العراقيين المنسحبين مع علمها أنهم كانوا عزلا عائدين إلى بلدهم منكسرين مخذولين، وكان من الممكن للغضب المعتمل في نفوسهم أن يغير واقع الحال في العراق ويقيم نظاما جديدا متسامحا طيبا.
هذه التجربة المرة عادت إلى الذاكرة بعد طول سبات لتصبح وصمة عار على العراقيين ومجالا للطعن بهم وبروحهم الوطنية الوثابة بعد أن نجحت قلة من الشعوب العربية في تنحية قادتها اعتمادا على نفسها دونما حاجة لمساعدة الآخرين. ولتوضيح الحقائق وتبيانا للصح من الخطأ أقول:
أولا: أن ما حدث في تونس ومصر لم يحدث لأن التونسيين والمصريين أشجع من العراقيين بل لأن زين العابدين وحسني مبارك لم يكونا قائدين حقيقيين ولأنه لا يوجد وجه مقارنة بين جرائمهم من جهة وبين جرائم ودموية وطغيان وعنف وقسوة وشيطانية وخبث صدام حسين
ثانيا: أن المحافظات العراقية الأربعة عشر التي قادت الانتفاضة ضد النظام كانت ذات عقيدة دينية واحدة (الشيعة في الوسط والجنوب والأكراد في الشمال) ولذا نزعت الصبغة الوطنية عنها ووسمت بأنها طائفية فأعلنت المحافظات ذات المكون الديني الآخر تأييدها للنظام وطوعت شبابها لمقاتلة المنتفضين الثوار فسميت عن جدارة باسم (المحافظات البيضاء) وهي المحافظات نفسها التي أعنت معارضتها للتغيير في 2003 وكانت منبع وحواضن العمليات الإرهابية الإجرامية التي طالت العراقيين الشرفاء.
ثالثا: أن الوضع الدولي لم يكن كما هو عليه اليوم ولذا أعلنت أمريكا من داخل خيمة 101 في صفوان لوزير الدفاع العراقي المفاوض "سلطان هاشم أحمد" موافقتها على استخدام النظام العراقي للطائرات السمتية لوأد الانتفاضة وإبادة المنتفضين.
رابعا: قيام القوات الأمريكية بإلقاء القبض على المجاهدين الفارين وتسليمهم إلى الجيش العراقي (الحرس الجمهوري) وهي تعلم أنه سوف يقضي عليهم بالموت.
إن الذين أعادوا هذه القضية إلى الذاكرة اليوم بعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية هم أنفسهم الذين تباكوا على حكم صدام يومها فأرسلوا له الدعم المادي والمعنوي وأمروا وعاظهم بإصدار الفتاوى التي تطلب من (الشباب الجهادي المسلم) التوجه إلى العراق لنصرة نظامه الطائفي، وحشدوا الرأي العام لتأييده وتمجيده واعتباره بطلا قوميا مسلما وصلاح الدين المعاصر!
ولما أذن الله للبعث أن ينقرض ونفذ الشعب إرادة الله بحق المجرمين تصاعدت وتيرة العداء العربي بنفس الحجج الواهية فأصبح الطاغية شهيدا وطنيا وأصبح الشعب الذي استعان بالغرب للتخلص من صدام شعبا شاذا لأنه شجع على احتلال بلده، ولأن الله هو العدل المطلق فقد أراد للعراقيين أن ينتصروا وأراد تبرئتهم مما نسب إليهم من زور فأطلق الشعب الليبي البطل دعواته المتكررة طالبا عون الغرب، فتدخل الغرب وأنتصر الشعب، ولولاهم ما كان القذافي لينهزم خاسئا حتى ولو أباد الشعب الليبي كله، ما معمر سوى تلميذ صغير من تلاميذ صدام، وفعله مهما عظم لا يمكن أن يرقى إلى ابسط أفعال صدام. وأنطلق الشعب اليمني ثائرا وهو يقاتل منذ أشهر طوال دونما تغيير يذكر وقد تصاعدت بين الثوار دعوات طلب العون الغربي لحسم الأمر، وما عبد الله صالح إلا تلميذ صغير من تلاميذ صدام. وانطلق الشعب السوري ثائرا ولما أحس بالعجز أطلق على الجمعة الأخيرة اسم "جمعة طلب العون الدولي" ورفعوا الشعارات المطالبة بالتدخل مع أن بشار الأسد لا يصلح أن يكون تلميذا لصدام.
ومع ذلك نجد الكتاب والباحثين والإعلاميين الطائفيين يبيحون لهذه الشعوب مطالبها ولكنهم إيغالا بالكره للعراق يعودون ويستذكرون أحداث 2003 وينددون بالعراقيين لأنهم استعانوا بالغرب. ونجد أن الشعوب المطالبة بالتدخل الغربي اليوم هي نفسها التي عابت على العراقيين فعلهم وساندت الطاغية وأسهمت بالمال والرجال لدعم نظامه، ثم أرسلت جهالها ومنحرفيها ومجرميها ليفجروا أنفسهم وسط العراقيين الأبرياء.
لقد أعلن الشعب العراقي ثورته في الانتفاضة الشعبانية عام 1991 ليعلم الشعوب العربية والعالم كله معنى أن يكون الإنسان ثائرا ضد الطغيان لينتصر وهو ما لم دركه الشعوب العربية إلا بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما، واستعانوا بالأجنبي ليخلصهم من نظام لا يمكن للشعب أن ينتصر عليه حتى ولو أبيد عن آخره ليعلموا العرب أن طغاتهم لا يمكن أن يتخلوا عن كراسيهم إلا تحت وطأة ضربات الآخر القوية والمؤثرة.
الغريب في الأمر أن العرب الذين وقفوا سلبا تجاه الثورة العراقية الظافرة (الانتفاضة) وتجاه التغيير الذي أزاح الطاغية عن صدورهم، وجدوا العراقيين لا يعرفون الشماتة ويعلنون تأييدهم الكامل لتلك الثورات، وهنا يأبى العراق إلا أن يكون معلما يعلم العرب معنى العدل والإنصاف في أمة لا تعرف الإنصاف.

CONVERSATION

0 comments: